خضير جعفر

124

الشيخ الطوسي مفسرا

قال مفسّرنا : وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبّرة من وجهين : أحدهما : إنّهم كانوا قادرين على الإيمان في الدنيا ، فلذلك طلبوا تلك الحال ، ولو لم يكونوا قادرين لما طلبوا الردّ إلى الدنيا وإلى مثل حالهم الأولى . والآخر : بطلان مذهب المجبّرة في تكليف أهل الآخرة . . وهو خلاف القرآن والإجماع ، ولو كانوا مكلّفين لما طلبوا الرجوع إلى الدنيا ؛ ليؤمنوا ، بل كانوا يؤمنون في الحال . « 1 » وعند تفسيره لقوله تعالى : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ « 2 » قال الطوسي : وقواه فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ دليل على بطلان مذهب المجبّرة في أنّ القدرة مع العقل ، وإنّ المؤمن لا قدرة له على الكفر ، وإنّ الكافر لا يقدر على الإيمان ؛ لأنّه تعالى بيّن أنّ من شاء أن يذكره ذكره ؛ لأنّه قادر عليه . « 3 » ولم يكتف الشيخ الطوسي بالردّ على أصحاب الآراء من أتباع الفرق والمذاهب الإسلاميّة المختلفة ، وكذلك أهل الكتاب ، وإنّما حاور الملحدين أيضا ، وأبطل مزاعمهم فلنستمع إليه يقول : وقصّة أصحاب الفيل من الأدلّة الواضحة والحجج اللائحة على الملحدين ومن أنكر الصانع ؛ لأنّه لا يمكن نسب ذلك إلى طبيعة ولا موجب ، وكما تأوّلوا الزلازل والرياح والخسوف وغير ذلك ممّا أهلك اللّه به الأمم ؛ لأنّه ليس في الطبيعة إقبال طير بأحجار ، وتقصد أقواما دون غيرهم حتّى تهلكهم بما ترميهم به ، ولا تعدّى إلى غيرهم ، بل ذلك من أوضح الأدلّة على أنّه من فعل اللّه تعالى ، وليس لأحد أن يضعّف ذلك ، وينكر الخبر به ؛ لأنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله لمّا قرأ على أهل مكّة هذه السورة ، كانوا قريبي العهد بالفيل ، فلو لم يكن كذلك ، ولم يكن له أصل لأنكروه ، فكيف وهم أرّخوا به كما أرّخوا بنيان الكعبة وموت

--> ( 1 ) . الطوسي ، التبيان ، ج 4 ، ص 420 ، 421 . ( 2 ) عبس ( 80 ) الآيات 11 و 12 . ( 3 ) . الطوسي ، التبيان ، ج 10 ، ص 271 .